تبييض السمعة.. استراتيجية مؤقتة أم حل مستدام لتعزيز الصورة العامة؟

في عالم الإعلام والاتصال، تعد السمعة أحد الأصول الاستراتيجية التي لا تقل أهمية عن رأس المال، حيث تعتمد المنظمات والشركات والجهات الحكومية والكيانات غير الربحية وحتى الشخصيات العامة على مجموعة من الاستراتيجيات الإعلامية للحفاظ على صورتها أمام الجمهور. ومن أبرز هذه الاستراتيجيات “تبييض السمعة”، وهي عملية تهدف إلى إعادة تشكيل الصورة الذهنية بعد التعرض لأزمة أو موجة انتقادات.

ما هو تبييض السمعة؟

يعرّف مستشار إدارة السمعة، علي الهمامي، تبييض السمعة بأنه عملية مخططة ومقصودة تهدف إلى إعادة بناء الصورة العامة لكيان أو شخصية ما بعد تعرضها لموقف سلبي في الرأي العام. وأوضح أن هذه العملية تشمل عدة أساليب إعلامية وتواصلية مثل:

  • إصدار محتوى إيجابي مكثف لإبعاد المحتوى السلبي عن الأنظار.
  • توظيف شخصيات مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي لتحسين صورة الكيان.
  • التدخل في نتائج محركات البحث لإزاحة الأخبار السلبية.

وأشار الهمامي إلى أن تبييض السمعة ليس مجرد محاولة لإخفاء الأخطاء، بل قد يتحول إلى أداة قوية لإعادة بناء الصورة العامة وتحويل انتباه الجمهور إلى الجوانب الإيجابية للمؤسسة.

استراتيجيات تبييض السمعة.. كيف يتم تحسين الصورة؟

تعتمد الجهات المختلفة على عدة أساليب لتبييض السمعة، من أبرزها:

1. إغراق المحتوى الإيجابي

تنشر بعض المنظمات والشركات كميات كبيرة من الأخبار والتقارير الإيجابية عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، مما يساعد في إبعاد الأخبار السلبية وإعادة التموضع الإعلامي.

2. تغيير الهوية والعلامة التجارية

تعتمد بعض الجهات على إعادة إطلاق علامتها التجارية أو تغيير هويتها البصرية، مما يساعدها في التخلص من أي ارتباط بالأزمات السابقة.

3. استخدام المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي

تستعين بعض الكيانات بـشخصيات مؤثرة على منصات التواصل الاجتماعي، سواء من خلال شراكات دعائية أو محتوى مدفوع، بهدف تحسين الصورة العامة للمنظمة.

4. تحسين محركات البحث (SEO)

تلجأ بعض الجهات إلى تقنيات تحسين محركات البحث لضمان ظهور الأخبار الإيجابية في الصفحة الأولى، وإزاحة الأخبار السلبية إلى الصفحات غير المرئية.

5. الاستحواذ على وسائل إعلامية

تقوم بعض الشركات الكبرى والجهات بالاستحواذ على حصص في وسائل الإعلام لضمان التأثير على الخطاب الإعلامي المحيط بها، مما يمنحها سيطرة على الصورة العامة.

6. إطلاق مبادرات المسؤولية الاجتماعية

تعمد بعض المنظمات إلى إطلاق مشاريع اجتماعية وإنسانية بهدف تحسين الانطباع العام، وإظهار التزامها بالمجتمع.

تبييض السمعة.. حل قصير المدى أم استراتيجية مستدامة؟

أكد الهمامي أن تبييض السمعة قد يكون فعالًا على المدى القصير، لكنه ليس حلاً طويل الأمد، موضحًا أن السمعة ليست مجرد صورة إعلامية، بل انعكاس لثقافة المنظمة وأسلوب إدارتها. وأي تحسين في الصورة العامة دون تغيير حقيقي قد يكون مجرد إجراء مؤقت سرعان ما ينهار في حال عدم إصلاح المشاكل الجوهرية.

الفرق بين تبييض السمعة وإدارة السمعة

أوضح الهمامي أن هناك فرقًا جوهريًا بين تبييض السمعة وإدارة السمعة:

  • تبييض السمعة: يركز على حلول سريعة وقصيرة الأجل لإخفاء المشكلات.
  • إدارة السمعة: تعتمد على استراتيجيات طويلة الأمد تهدف إلى بناء الثقة والمصداقية مع الجمهور.

وأشار إلى أن إدارة السمعة تتطلب الشفافية، والتفاعل المستمر مع الجمهور، والرد على القضايا المطروحة بمصداقية، بينما تعتمد بعض أساليب تبييض السمعة على إخفاء السلبيات دون معالجتها بصدق.

التحديات الأخلاقية لتبييض السمعة

يُثار جدل واسع حول الأبعاد الأخلاقية لاستراتيجيات تبييض السمعة، حيث يرى البعض أن بعض هذه الأساليب قد تتجاوز الحدود الأخلاقية، مثل:

  • نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة.
  • محاولة إسكات الأصوات الناقدة بدلاً من التعامل مع المشكلات.

ويشير الخبراء إلى أن الجمهور اليوم أكثر وعيًا ولم يعد من السهل إخفاء الحقائق أو التلاعب بها، حيث أصبحت الشفافية والمصداقية أساس بناء سمعة قوية ومستدامة.

هل يمكن للمنظمات تجنب الحاجة إلى تبييض السمعة؟

اختتم الهمامي حديثه بالتأكيد على أن تبييض السمعة قد يكون أداة فعالة لإعادة بناء الصورة العامة، لكنه ليس بديلاً عن التغيير الحقيقي. ونصح المنظمات التي تسعى للحفاظ على سمعتها على المدى الطويل بالتركيز على:

  • اعتماد ممارسات أخلاقية من البداية.
  • تعزيز الشفافية في التعامل مع الجمهور.
  • تحقيق التوازن بين تحسين الصورة وحل المشكلات الفعلية.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن للمنظمات تجاوز الحاجة إلى تبييض سمعتها من خلال اعتماد ممارسات أخلاقية منذ البداية؟

إعلان

مقالات ذات صلة